الأربعاء , يناير 17 2018

الحج

إنَّ الله تعالى لمَّا خلق الخق وأرسل الرُسُل جعل أماكن أفضل من أماكن ومنها مكة المكرمة التي كانت حرماً في الجاهلية والإسلام ويُعظمونَها في سائر الأوقات وجعلها الله قِبْلَةً للناس أجمعين وجعل الأنبياء يحُجُّون إليها وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن مَكَّة المكرمَّة

إنَّ الله تعالى قد حرَّمَ مكَّة

وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مُبيناً ذلك حينما قال :

لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ , وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ , وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا ، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ

وبمعنى أنَّ كُلَّ شيء في مكَّة أمِن

فكانت العرب منذ القديم وهي على شركها وضلالها تُعَظِم مكَّة وحتى كانت الأم توصي ابنها وتقول له :

أبُنَـيَّ لا تظلِـم بمكَّـة لا الصغيـرَ ولا الكبيــرْ

واحفـظ مَحـارمَهـا بُنَـيَّ ولا يغرّنْـك الغَـرورْ

أبُنَـيَّ مـن يظلـم بمكَّـة يلـق أطْـرافَ الشُّرورْ

أبُنَـيَّ قـد جَرّبتهـا * * * فوجدتُ ظالمهـا يبـور

ولمَّا أقبل أبرهة من الشام قاصداً لتدمير البيت الحرام وعندها خرجت كل قُريش للجبال لما رأوا ذلك الشخص قادماً إليهم وسُئل عبد المطلب وقالوا له : أما تحمي البيت الذي يُعَظِمُه أجدادُك والعرب والناس ؟!

فقال : إنَّ للبيتِ رباً يحميه

فأرسل الله طيراً أبابيل على أبرهة وجُندِه فقتلهم الله شرَ قِتْلة وتلك حمايةُ الله لبيته وما أعظمها من حِماية ورِعايَة ولاتزال ليومنا هذا

وهذا البلد الطيب شرَّفَهُ الله تعالى وأمر الناس أن يتجوهو بقلوبهم وأحوالهم إليه أينما كانوا في مشارق الأرض ومغاربِها

والكعبة أول من بناها الملائكة ثم أولادُ آدم ثم تهدمت ثم بناها ابراهيم وابنه اسماعيل ووضع أهله عنده في وادٍ مُبارك وقال

( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )

حتى أتى زمانُ أن أَذِنَّ الله تعالى لنبيه ابراهيم عليه السلام ببناء الكعبة حيث قال

( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ )

ووعد الله تعالى المغفرة والرحمة لمن حجَّ لمكة المكرمَّة

ذكر الإمام القُرطبي رحمه الله لما تكلم عن قوله تعالى

( وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ )

كان محمد بن سيرين رحمه الله جالساً في الحرم وأقبل إليه رجل وقال له يامحمد بن سيرين أنت من أين أتيت ؟

فقال له محمد : أنا جئتُ من بلدٍ بعيدٍ وأسيرُ شهرين حتَّى أصل لمكة

فقال له الشخص : من أين انت ؟

قال : أنا جئتُ من العراق

فقال له الرجل : إنمَّا أنت من جيرانِ الحرم

فقال لهمحمد بن سيرين : أنت من أين أتيت ؟

قال له : أنا جئت من بلاد ماوراء النهرين وخرجت من خمس سنين والآنَ وصلت لِمكَّة !!

سبحان الله ولايعجب قارئٌ لهذه القِصَّة

لأنَّ الناس كانوا آنذاك لايأخذون معهم مالاً كثيراً خوفاً من قطاع الطرق أو أن يضيع

وكان أحدهم يسير إلى أن ينتهي مالُه ثم يعمل في بلد شهر وشهرين حتى يجمع مايتيسر له أن يجمع أو لمرض عارض وكذلك الأمر حتى أن يصلَ لمكة ولكنَّ قلب الشخص طوال السنين لايزال معلقاً بالله

وتوعد الله تعالى من هَمَّ بمعصية في البلد الحرام فإنَّه يأثم ويُعَذبه الله حيثُ قال الله تعالى

( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )

وقال ابن ابن مسعودٍ رضي الله عنه :

لو أن رجلاً أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بِعَدَنٍ أَبْيَن لأذاقه الله من العذاب الأليم

أي في مكانٍ بعيدٍ في اليمن مقبلاً لمكَّة أن يفعل معصية باذلاً لتلك المعصية فإنَّ الله يعاقبه حتى لومافعلها

ولقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد بنى بيته خارج منطقة الحرم وبنى مسجده داخل الحرم

فقيل له : لماذا تجعل بينهما مسافة كبيرة ؟

فقال: الحسنة في منطقة الحرم أفضل من غيرها ولكنَّ المعصية فيه أعظم وأنا أريد أن يكون بيتي بعيداً عن الحرم ولو فعل أهل بيتي معصية لم يعاقبُهم الله عليها بعكسِ داخِلِه

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ عز وجل، إن دَعوْه أجابَهم، وإنِ استغفرُوهُ غفرَ لهُم

وأقبل عمرو بن العاص رضي الله عنه وكان قد تأخرَ إسلامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لِيُبايعه

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم لاتُبايع

فمد عمرو رضي الله عنه يده وقبضها

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لم فعلت ذلك ياعمرو ؟

فقال له : يارسول الله إنِي أشترطُ حتى أبايعك

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وماذا تشترط ؟

فقال له : أن يغفر الله لي ذنوبي فإنِي فعلتُ وفعلت

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أما علمت أنَّ الإسلام يَجُبُّ ماقبله وأن الحجَّ يهدمُ ماقبله

والمرء إذا أسلم فالله يغفر له ماقد سلف في الجاهلية وإذا حجَّ كذلك أيضاً

وذكر الله تعالى عدداً من الغايات التي شَرَعَ الحجَّ من أجلِها في كتابِهِ الكريمِ قولِهِ العظيمِ فقال فيه

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ )

وبدأ الله هنا قوله في التعامُلِ مع القلوب  ولم يقل حُجوا أو قفوا بعرفات !!

والحج بما فيه من طواف ووقوف على عرفات والمبيت في مزدلفة ومافيه من رميٍ للجمرات وكلها لأصلاح القلب للحاج أو للمعتمر

ولما ذكر الله تعالى نحر الهدي ومافيه من إنهار الدم تقرباً لله تعالى وإنفاق المال عليها قال الله

( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ )

حفظ الله مكة المكرمة والمدينة المنورة

عن wikisunna

شاهد أيضاً

قصص رائعة للشيخ محمد راتب النابلسي

  يقولُ الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله : ذات مرة كنت ماشياً في الطريق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *